عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
211
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
بتلك المدينة سنة اثنتين وأربعين ومائتين فرأيتها وحدثتني بحديثها فلم أستقص عليها لحداثة سني ثم إني عدت إلى خوارزم في آخر سنة اثنتين وخمسين ومائتين فرأيتها باقية ووجدت حديثها شائعا مستفيضا وهذه المدينة على مدرجة القوافل وكان الكثير ممن ينزلها إذا بلغتهم قصتها أحبوا أن ينظروا إليها فلا يسألون عنها رجلا ولا امرأة ولا غلاما إلا عرفها ودل عليها فلما وافيت الناحية طلبتها فوجدتها غائبة على عدة فراسخ فمضيت في إثرها من قرية إلى قرية فأدركتها بين قريتين تمشي مشية قوية وإذا هي امرأة نصف جيدة القامة حسنة البدنة ظاهرة الدم متوردة الخدين ذكية الفؤاد فسايرتني وأنا راكب فعرضت عليها مركبا فلم تركبه وأقبلت تمشي معي بقوة وكان ذكر لي الثقات من أهل تلك الناحية إنه كان من يلي خوارزم من العمال يحصرونها الشهر والشهرين والأكثر في بيت يغلقون عليها ويوكلون بها من يراعيها فلا يرونها تأكل ولا تشرب ولا يجدون لها أثر بول ولا غائط فيبرونها ويكسونها ويخلون سبيلها فلما تواطأ أهل الناحية على تصديقها اقتصصتها عن حديثها وسألتها عن اسمها وشأنها كله فذكرت أن اسمها رحمة بنت إبراهيم وإنه كان لها زوج نجار فقير معيشته من عمل يده لا فضل في كسبه عن قوت أهله وأن لها منه عدة أولاد وأن الأقطع ملك الترك قتل من قريتهم خلقا كثيرا من جملتهم زوجها ولم يبق دار إلا حمل إليها قتيل قالت فوضع زوجي بين يدي قتيلا فأدركني من الجزع ما يدرك المرأة الشابة على زوج أبي أولاد قالت واجتمع النساء من قراباتي والجيران يسعدني على البكاء وجاء الصبيان وهم أطفال لا يعقلون من الأمر شيئا يطلبون الخبز وليس عندي ما أعطيهم فضقت صدرا بأمري ثم إني سمعت أذان المغرب ففزعت إلى الصلاة فصليت ما قضى لي ربي ثم سجدت أدعو وأتضرع إلى الله أسأله الصبر وأن يجبر يتم صبياني فنمت في سجودي فرأيت كأني في أرض خشناء ذات حجارة وأنا أطلب زوجي فناداني رجل أيتها الحرة خذي ذات اليمين فأخذت